د. مصطفى الغرافي: القضايا النقدية والبلاغية في "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" لحازم القرطاجني (2)
النص الشعري من زاوية التواصل
يندرج النص الشعري ضمن الحقل التواصلي بشكل عام، لأن كل نص شعري يعني تواصلا بين منجزه ومتقبله، ويتحقق هذا التواصل عبر وسيط نوعي هو القصيدة التي تحمل مضمونا معرفيا وأخلاقيا، يتوجه به المبدع إلى متلقيه.
وقد استثمر علماء من حقول معرفية مختلفة النتائج التي توصل إليها منظرو عملية التواصل، ونجحوا في تطبيقها على مجالات تخصصهم، مما ساعدهم على التقدم بهذه التخصصات خطوات شاسعة إلى الأمام.ويعتبر رومان ياكبسون من الأوائل الذين تنبهوا لأهمية توظيف نظرية التواصل في مجال الشعرية والأسلوبية، وقد ساعده ذلك على الخروج من المأزق الذي سقطت فيه الدراسات الأسلوبية قبله، التي حاولت تحديد الخصائص المميزة للنص الأدبي عن طريق إجراء مقابلة بين اللغة الأدبية واللغة العادية، باعتبار أن الأولى تتضمن أسلوبا، والثانية تخلو منه.وإذا كان هذا الإجراء قد أسعف علماء الأسلوب على المستوى النظري، فقد واجهتهم صعوبات عديدة عند التطبيق، دفعتهم إلى التشكيك في هذا الإجراء.
وعلى عكس ذلك نجد نظرية التواصل تطرح إشكال "الأدبية" طرحا جديدا، حيث تناولته بطريقة مغايرة عندما وضعت في اعتبارها –وهي تحاول القبض على "أدبية" الأدب- مختلف الظروف التي تحيط بعملية التخاطب، والتي تنسج الشبكة المعقدة لعملية التواصل، كما أخذت بعين الاعتبار الظروف العامة غير اللغوية التي يتنزل فيها الخطاب، مثل المتكلم والمتلقي والمقام التواصلي، بوصفها عناصر هامة في تحديد خصائص الخطاب.
إن استلهام نظرية التواصل وتوظيف نتائجها في الدراسات الشعرية، أسعف الباحثين في "الأدبية" في تجاوز ثنائية اللغة الأدبية واللغة العادية، والتأسيس لدرس وظيفي، يستند في تصنيفه لأنواع الخطاب، وتحديد التكوين الأسلوبي للنصوص ،إلى تراتبية الوظائف ويعتمد على الوظيفة المهيمنة لحل إشكال "الأدبية"، إذ كل خطاب يتضمن بالضرورة جملة من الوظائف المنتظمة بشكل تراتبي. وطبيعة الخطاب تتحدد بالاستناد إلى الوظيفة المهيمنة، فإذا كانت الوظيفة الإبلاغية هي المهيمنة، فإننا نكون أمام نص تواصلي إخباري، في حين نكون أمام نص تواصلي شعري إذا كانت الوظيفة الشعرية هي المهيمنة، وهذا لا يعني أن النص الشعري تنعدم فيه عناصر الإخبار، أو أن النص الإخباري تنعدم فيه سمات الشعرية. كل ما هنالك أن الوظيفة الشعرية تكون طاغية في النص الشعري ،في حين تحضر الوظائف الأخرى بشكل ثانوي تبعا لمقصدية المنشئ .يقول ياكبسون :"ليست الوظيفة الشعرية هي الوظيفة الوحيدة لفن اللغة، بل هي فقط وظيفته المهيمنة والمحددة، مع أنها لا تلعب في الأنشطة اللفظية الأخرى سوى دور تكميلي وعرضي."
إن أهمية هذا التصور تتمثل في التنبيه إلى بعض الملابسات التي تحيط بالظاهرة الأدبية، فالاهتمام لم يعد منصبا على خصائص الخطاب الأدبي بوصفها خصائص مطلقة، وإنما أصبحت دراسة هذه الخصائص تنطلق من وعي بأن الخطاب ينجز بالضرورة في سياق خاص، ومن ثم ينبغي للدارس أن يراعي في مباشرته النصوص الأدبية - إلى جانب العناصر اللغوية المحضة – جملة من العوامل غير اللغوية مثل المتلقي والمقام ، وما يقوم بين هذه العناصر من علاقات، مما يسهم في تحديد الأسس التي ينبني عليها الخطاب، وكذا خصائصه ونوعيته. والنتيجة المترتبة عن مثل هذا التصور، أن "خصائص الخطاب ومواصفاته، وهي موضوع الدرس البلاغي، ليست مطلقة نظرية، كما أنه لا يتسنى ضبطها بمحض الافتراض وخالص الفكر، وإنما هي حصيلة تفاعل جملة المعطيات الحافة بإنجاز الخطاب، خاصة المتكلم والسامع والغاية التي يجريان إليها أو ما يمكن ان نطلق عليه الوظيفة".
إن نظرة البلاغة للنص الشعري باعتباره نشاطا تواصليا يتقصد التأثير، وما ترتب عن ذلك من عناية بالمقاصد والمقام، وغيرها من العناصر التي تكفل نجاعة الخطاب، أكسبها بعدا تداوليا ومقاميا.
البعد التداولي للبلاغة :
عندما تنظر للظاهرة البلاغية باعتبارها ظاهرة لغوية متجسدة في خطاب، ومتحققة فيه، خاضعة لشروط القول والتلقي، فإننا نكون أمام خطاب تواصلي يمتاز بخصائص بنائية وبراغماتية تجعله مختلفا عن غيره من الخطابات الإخبارية، السردية والحكائية. وبالتالي فإن مقاربة هذا النوع من النصوص سوف تكون مختلفة، لأن التعامل النقدي في هذه الحالة سيكون مع نوع خاص من التخاطب، إذ إن أية محاولة لرصد الصور الأسلوبية والبنائية في القول البليغ ستجد نفسها أمام ظواهر بلاغية (أسلوبية وبنائية وحجاجية)، تحتل فيها القصدية والتأثير والنجاعة مكانة هامة، مما يفرض على الدارس استحضار مقاصد المتكلم والسياق التداولي الذي يتم فيه التخاطب الأدبي.
إن ما يميز بلاغية النص الأدبي عن غيره من التحققات النصية الأخرى، هو استناده إلى مرجعية أو سياق مشترك بين المخاطب والمخاطب، وبالتالي بروز قيمة القصدية بالنسبة للذوات المتخاطبة، وبذلك ينتمي القول الشعري إلى مجال التداوليات، وهو مجال شاسع يسمح لنا بالقول إن هناك تداولية بلاغية، إلى جانب التداولية اللسانية والمنطقية والفلسفية.
فالبلاغة تتحدد بكونها "فنا"، أي مجموعة من القواعد المعيارية التي تتيح الإقناع أولا ثم التعبير الجيد لاحقا، ومن ثم نظر للبلاغة بوصفها عتادا بنائيا وتبليغيا يتقصد أساسا التأثير في متلقي الخطاب، وهو ما يكشف عن البعد التداولي والمقامي للبلاغة، إذ يمكن للبلاغة –وبالرغم من طابعها المعياري- أن "تصبح بلاغة وصفية، بل أيضا بلاغة تاريخية وتأويلية تعكس بصورة نقدية وضعية تلقي الشارح (للنص)، إنها مؤهلة في هذه الحالة، لتكوين أسس "نظرية تداولية للنص."
لقد توصل هنريش بليث إلى هذه القناعة بعد استعراضه لمقصديات البلاغة القديمة، ورصده طابعها التداولي، حيث كانت البلاغة القديمة تميز بين ثلاثة أنماط من المقصدية:
1-المقصدية الفكرية وتضم مكونا تعليميا وحجاجيا وأخلاقيا.
2-المقصدية العاطفية: وتضم مكونين أحدهما غائي يكون هدف الإقناع فيه خارج النص، والآخر غير غائي يكمن في إحالة النص إلى نفسه، مما يولد المتعة الجمالية.
3-مقصدية التهييج: وتكمن في البحث عن الانفعالات العنيفة التي تسيطر على الجمهور لتحقيق تهييج عاطفي وقتي.
وقد ذهب بليث بقناعته بإمكانية التأسيس لنظرية تداولية انطلاقا من البلاغة إلى أقصى حدودها، عندما رأى أنه "بوسع التداولية النصية أن تأخذ من جديد مفهوم المقام النصي، والوظائف التي تحدد المقامات، وتدمج ذلك كله في نموذج نصي وظيفي."
إن البعد التداولي للبلاغة يتولد من اهتمامها بمفهوم "المقام الخطابي" في سياق بحثها عن المقاصد، وقد ترتب عن توجه البلاغة نحو الأثر التداولي أن وضع المتلقي في مركز الاهتمام. وتنطلق البلاغة في ذلك من تصور يعتبر أن كل نص متضمن بالضرورة لقدر من البلاغة، أو هو بلاغة بشكل من الأشكال مادام يتملك وظيفة تأثيرية، "وبهذا الاعتبار فالبلاغة تمثل منهجا للفهم النصي مرجعه التأثير، وعندما نفكر حسب المفاهيم البلاغية فإننا ننظر إلى النص من زاوية نظر المستمع/القارئ، ونجعله تابعا لمقصدية الأثر."
- دفاع عن فن الشعر :
يمكن اعتبار كتاب حازم بيانا مطولا خصصه صاحبه للدفاع عن فن الشعر وبيان جدواه، فالكتاب من هذه الزاوية عمل سجالي يرد فيه صاحبه على صنف من المتأدبين، الذين لم يروا في الشعر سوى "نقص وسفاهة"، فوصموه بالكذب، وترفعوا عن الاشتغال به إنتاجا وتلقيا. فانتدب حازم كتابه للدفاع عن هذا الفن والإعلاء من شأنه في وجه خصومه، والمنتقصين منه، فبعد أن بين مآل الشعر في عصره حيث "الاستعداد لتقبل الشعر معدوم بالجملة" ، حاول تغيير أفق التلقي في عصره من خلال الكشف عن المكانة التي كان يحتلها الشاعر في الثقافة العربية الإسلامية، ناقلا عن ابن سينا قوله: "كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي فيعتقد قوله، ويصدق حكمه، ويؤمن بكهانته. "
ولم يكن حازم لينجح في مسعاه الرامي إلى إعادة الاعتبار للشعر، إلا ببيان جدواه، والكشف عن أثره الإيجابي في حياة الفرد والجماعة، عن طريق رصد وظائفه العملية ذات الأثر الآني، أي تأكيد محتواه الأخلاقي من حيث قدرته على التأثير والتوجيه والتعليم.
-الوظائف العملية للشعر :
يقوم الشعر في تصور حازم على المحاكاة والتخييل، أي أن الشعر في جوهره تصوير وتمثيل يسعى من خلاله الشاعر إلى إحداث ضروب من التأثير في متلقيه. غير أن وظيفة التخييل الشعري عند حازم لا تقتصر على التأثير الانفعالي ،أي الاستجابة الجمالية التي تمنح شعورا بالمتعة والتعجيب فقط، ولكنها تتجاوز التأثير الانفعالي إلى التأثير في سلوك المتلقي وأفعاله. ومن هنا كانت قيمة النص الشعري تتحدد بالغايات التي يمكن أن يحققها، وليس بالمتعة الجمالية الخالصة، لأن الجميل في التصور البلاغي لحازم، ينبع من النافع والمفيد. وتساوقا مع هذا التصور لوظيفة الشعر، يؤكد حازم أن الشعر والمحاكاة لا ينبغي أن تكون مقصودة لذاتها، وإنما ينبغي توجيهها إلى غايات تعليمية أو أخلاقية، وبذلك يرتفع الشعر عن أن يكون مجرد إغراق في الزينة البلاغية المتنصلة من أية غاية سوى المتعة العابرة ،لأن ذلك يتعارض مع تصور حازم لبلاغة النص الشعري.
- الوظيفة الأخلاقية:
يرتبط الشعر عند حازم بغاية أخلاقية متمثلة في الحث على الفضيلة أو الكف عن الرذيلة، فمادام الشعر يتحدد عنده بوصفه محاكاة لأشياء جميلة (الفضائل)، أو أشياء قبيحة (الرذائل)، فإنه يقوم ببث القيم الأخلاقية النبيلة بفضل التأثير المصاحب للتخييل الشعري، وهو ما لا يستطيعه علم الأخلاق بمقولاته النظرية الجامدة. وقد تنبه الفلاسفة المسلمون لهذه الخاصية في الشعر، فدعوا إلى استثمارها في توجيه الشعر إلى تأديب الجمهور، وتهذيب أخلاقهم، لما له من تأثير مباشر على السلوك الإنساني.
يساير حازم الفلاسفة المسلمين في تقديرهم للدور المتميز الذي يمكن للشعر أن يقوم به في تقويم سلوك الجمهور وأخلاقهم، ويتجلى ذلك واضحا في تقريره أن "الأقاويل الشعرية ... القصد منها استجلاب المنافع واستدفاع المضار، ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك، وقبضها عما يراد بما يخيل لها فيه من خير أو شر" .
ولعل هذا أن يفسر لنا عناية حازم الفائقة بمحاكاة التحسين والتقبيح، لأنها تؤدي إلى نتائج عملية مباشرة، لارتباطها بغاية أخلاقية هي الحث على السلوك المرغوب فيه، أو الردع عن آخر غير مرغوب فيه بالتنفير منه ،في حين لم يحفل بمحاكاة المطابقة، التي يكون الهدف منها جماليا صرفا، لأنها في نظرة "لا يقصد بها إلا ضرب من رياضة الخواطر والملح، في بعض المواضع التي يعتمد فيها وصف الشيء، ومحاكاته بما يطابقه و يخيله على ما هو عليه" .
-الوظيفة التعليمية
ينهض الشعر في تصور حازم- إلى جانب الوظيفة التربوية الأخلاقية – بوظيفة تعليمية، تتمثل في تعليم العامة وتقريب المفاهيم النظرية والحقائق الفكرية إلى عقولهم ،التي تعجز عن إدراك الحقائق بالطرق البرهانية المعتمدة في تعليم الخاصة.
وينجح الشعر في أداء هذه الوظيفة بفضل المحاكاة والتخييل، التي تمكنه من تقديم المعارف النظرية المجردة في شكل حسي ملموس، مما يساعد العامي على إدراكها وتفهمها، لأن الشعر يحاكي الحقائق بمثالاتها عن طريق التشبيه والمماثلة، ويساهم هذا التقديم الحسي للحقائق النظرية في تسهيل عملية التعلم بالنسبة للعامي، إذ تقدم له المبادئ النظرية للعلوم بوسائل تصويرية تقربها من عقله، وتساعده على فهمها. فبدلا من أن يتعرف على جوهر الشيء وحقيقته، فإنه يتعرف على شبيهه أو نظيره الذي يحاكيه الشاعر، لذلك ينص حازم على أنه "ينبغي أن تكون المحاكاة في الأمور المحسوسة، حيث تساعد المكنه من الوجوه المختارة، بالأمور المحسوسة و بها يحسن أن تحاكى الأمور غير المحسوسة، حتى يتأتى ذلك ويكون بين المعنيين انتساب" .
يرتبط التأكيد على الخاصية الحسية للشعر التي تكفلها المحاكاة، بالوظيفة التعليمية التي ينيطها حازم بالشعر، لأن المعارف النظرية المجردة لا يمكن أن تدخل في التشكيل الشعري إلا عن طريق الأمثلة المحسوسة، التي تقربها من أفهام الجمهور، حيث يتم تقديم المجردات عبر وسيط حسي يقترن فيه المجرد بالملموس، وتعرض فيه الحقائق من خلال تمثيل يقربها للذهن.
إن المحاكاة عند حازم وسيلة لتعليم الجمهور، لما لها من قدرة على تقريب الأشياء -التي يصعب عليهم فهمها- إلى أذهانهم، معتمدة في ذلك على الحسي والملموس.
وقد ترتب عن إلحاح حازم على الوظائف العملية للشعر، أن أصبحت جميع وسائل الأداء الشعري تابعة للوظيفة، وخادمة لها، إذ الأساس لمثل هذا التصور هو نجاعة الخطاب من خلال دلالته على المقاصد وليس المتعة الجمالية الخالصة.
وظائف النص الشعري:
يمكن اعتبار كتاب حازم بيانا مطولا خصصه صاحبه للدفاع عن فن الشعر وبيان جدواه، فالكتاب من هذه الزاوية عمل سجالي يرد فيه صاحبه على صنف من المتأدبين، الذين لم يروا في الشعر سوى "نقص وسفاهة"، فوصموه بالكذب، وترفعوا عن الاشتغال به إنتاجا وتلقيا. فانتدب حازم كتابه للدفاع عن هذا الفن والإعلاء من شأنه في وجه خصومه، والمنتقصين منه، فبعد أن بين مآل الشعر في عصره حيث "الاستعداد لتقبل الشعر معدوم بالجملة" ، حاول تغيير أفق التلقي في عصره من خلال الكشف عن المكانة التي كان يحتلها الشاعر في الثقافة العربية الإسلامية، ناقلا عن ابن سينا قوله: "كان الشاعر في القديم ينزل منزلة النبي فيعتقد قوله، ويصدق حكمه، ويؤمن بكهانته. "
ولم يكن حازم لينجح في مسعاه الرامي إلى إعادة الاعتبار للشعر، إلا ببيان جدواه، والكشف عن أثره الإيجابي في حياة الفرد والجماعة، عن طريق رصد وظائفه العملية ذات الأثر الآني، أي تأكيد محتواه الأخلاقي من حيث قدرته على التأثير والتوجيه والتعليم.
-الوظائف العملية للشعر :
يقوم الشعر في تصور حازم على المحاكاة والتخييل، أي أن الشعر في جوهره تصوير وتمثيل يسعى من خلاله الشاعر إلى إحداث ضروب من التأثير في متلقيه. غير أن وظيفة التخييل الشعري عند حازم لا تقتصر على التأثير الانفعالي ،أي الاستجابة الجمالية التي تمنح شعورا بالمتعة والتعجيب فقط، ولكنها تتجاوز التأثير الانفعالي إلى التأثير في سلوك المتلقي وأفعاله. ومن هنا كانت قيمة النص الشعري تتحدد بالغايات التي يمكن أن يحققها، وليس بالمتعة الجمالية الخالصة، لأن الجميل في التصور البلاغي لحازم، ينبع من النافع والمفيد. وتساوقا مع هذا التصور لوظيفة الشعر، يؤكد حازم أن الشعر والمحاكاة لا ينبغي أن تكون مقصودة لذاتها، وإنما ينبغي توجيهها إلى غايات تعليمية أو أخلاقية، وبذلك يرتفع الشعر عن أن يكون مجرد إغراق في الزينة البلاغية المتنصلة من أية غاية سوى المتعة العابرة ،لأن ذلك يتعارض مع تصور حازم لبلاغة النص الشعري.
- الوظيفة الأخلاقية:
يرتبط الشعر عند حازم بغاية أخلاقية متمثلة في الحث على الفضيلة أو الكف عن الرذيلة، فمادام الشعر يتحدد عنده بوصفه محاكاة لأشياء جميلة (الفضائل)، أو أشياء قبيحة (الرذائل)، فإنه يقوم ببث القيم الأخلاقية النبيلة بفضل التأثير المصاحب للتخييل الشعري، وهو ما لا يستطيعه علم الأخلاق بمقولاته النظرية الجامدة. وقد تنبه الفلاسفة المسلمون لهذه الخاصية في الشعر، فدعوا إلى استثمارها في توجيه الشعر إلى تأديب الجمهور، وتهذيب أخلاقهم، لما له من تأثير مباشر على السلوك الإنساني.
يساير حازم الفلاسفة المسلمين في تقديرهم للدور المتميز الذي يمكن للشعر أن يقوم به في تقويم سلوك الجمهور وأخلاقهم، ويتجلى ذلك واضحا في تقريره أن "الأقاويل الشعرية ... القصد منها استجلاب المنافع واستدفاع المضار، ببسطها النفوس إلى ما يراد من ذلك، وقبضها عما يراد بما يخيل لها فيه من خير أو شر" .
ولعل هذا أن يفسر لنا عناية حازم الفائقة بمحاكاة التحسين والتقبيح، لأنها تؤدي إلى نتائج عملية مباشرة، لارتباطها بغاية أخلاقية هي الحث على السلوك المرغوب فيه، أو الردع عن آخر غير مرغوب فيه بالتنفير منه ،في حين لم يحفل بمحاكاة المطابقة، التي يكون الهدف منها جماليا صرفا، لأنها في نظرة "لا يقصد بها إلا ضرب من رياضة الخواطر والملح، في بعض المواضع التي يعتمد فيها وصف الشيء، ومحاكاته بما يطابقه و يخيله على ما هو عليه" .
-الوظيفة التعليمية
ينهض الشعر في تصور حازم- إلى جانب الوظيفة التربوية الأخلاقية – بوظيفة تعليمية، تتمثل في تعليم العامة وتقريب المفاهيم النظرية والحقائق الفكرية إلى عقولهم ،التي تعجز عن إدراك الحقائق بالطرق البرهانية المعتمدة في تعليم الخاصة.
وينجح الشعر في أداء هذه الوظيفة بفضل المحاكاة والتخييل، التي تمكنه من تقديم المعارف النظرية المجردة في شكل حسي ملموس، مما يساعد العامي على إدراكها وتفهمها، لأن الشعر يحاكي الحقائق بمثالاتها عن طريق التشبيه والمماثلة، ويساهم هذا التقديم الحسي للحقائق النظرية في تسهيل عملية التعلم بالنسبة للعامي، إذ تقدم له المبادئ النظرية للعلوم بوسائل تصويرية تقربها من عقله، وتساعده على فهمها. فبدلا من أن يتعرف على جوهر الشيء وحقيقته، فإنه يتعرف على شبيهه أو نظيره الذي يحاكيه الشاعر، لذلك ينص حازم على أنه "ينبغي أن تكون المحاكاة في الأمور المحسوسة، حيث تساعد المكنه من الوجوه المختارة، بالأمور المحسوسة و بها يحسن أن تحاكى الأمور غير المحسوسة، حتى يتأتى ذلك ويكون بين المعنيين انتساب" .
يرتبط التأكيد على الخاصية الحسية للشعر التي تكفلها المحاكاة، بالوظيفة التعليمية التي ينيطها حازم بالشعر، لأن المعارف النظرية المجردة لا يمكن أن تدخل في التشكيل الشعري إلا عن طريق الأمثلة المحسوسة، التي تقربها من أفهام الجمهور، حيث يتم تقديم المجردات عبر وسيط حسي يقترن فيه المجرد بالملموس، وتعرض فيه الحقائق من خلال تمثيل يقربها للذهن.
إن المحاكاة عند حازم وسيلة لتعليم الجمهور، لما لها من قدرة على تقريب الأشياء -التي يصعب عليهم فهمها- إلى أذهانهم، معتمدة في ذلك على الحسي والملموس.
وقد ترتب عن إلحاح حازم على الوظائف العملية للشعر، أن أصبحت جميع وسائل الأداء الشعري تابعة للوظيفة، وخادمة لها، إذ الأساس لمثل هذا التصور هو نجاعة الخطاب من خلال دلالته على المقاصد وليس المتعة الجمالية الخالصة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق