- المشروع النقدي عند حازم:
<يندرج كتاب حازم "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" في سياق ثقافي متميز، إذ في الوقت الذي يسعى فيه صاحبه إلى تقديم مراجعة نقدية شاملة لشعرية أرسطو وبلاغته، يواجه معضلة اختلاف الشعرية العربية عن الشعرية اليونانية اختلافا جذريا، وهي المعضلة التي وقفت عائقا أمام جميع من تعاملوا مع الشعرية الأرسطية، فحاولوا جاهدين تأويل هذه الشعرية في ضوء الشعر العربي، في محاولة للتوفيق بين الشعريتين.
لقد اطلع حازم على شعرية أرسطو من خلال جهود الفلاسفة المسلمين ممن عنوا بموضوع "الشعرية"، فاستوعب تصوراتهم للشعر، وعرف من شروحهم أن أرسطو حاول من خلال كتابه "فن الشعر" إقامة علم خاص بالشعر عند اليونان، وعلم للشعر المطلق، أي كليات الشعر التي تشترك فيها أشعار الأمم جميعا.
ولما كان كتاب "فن الشعر" قد وصل للعرب ناقصا، فقد سعى الفلاسفة المسلمون لتدارك هذا النقص، فتمنى ابن سينا في نهاية شرحه أن تتاح له الفرصة للابتداع في علم الشعر المطلق. يقول: "هذا تلخيص القدر الذي وجد في هذه البلاد من كتاب الشعر للمعلم الأول، وقد بقي منه شطر صالح، ولا يبعد أن نجتهد نحن فنبتدع في علم الشعر المطلق، وفي علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان، كلاما شديد التحصيل والتفصيل".
أما الفارابي فقد رأى في شرحه –تواضعا فيما يبدو- أن السعي لإتمام ما لم يحاول الحكيم إتمامه مما لا يليق "ولو رمنا إتمام الصنعة التي لم يرد الحكيم إتمامها –مع فضله وبراعته- لكان مما لا يليق بنا".
وإذن فقد كان حازم يشعر بأن هناك مهمة تنتظر الإنجاز، هذه المهمة التي رأى الفارابي أن إنجازها "مما لا يليق"، والتي جعلها ابن سينا مشروعا للمستقبل، هي التي انتدب حازم كتابه لإنجازها محققا بذلك حلم ابن سينا: "وقد ذكرت في هذا الكتاب من تفاصيل هذه الصنعة، ما أرجو أنه من جملة ما أشار إليه أبو علي بن سينا".
لقد انتهى حازم من خلال شروح الفلاسفة المسلمين، إلى أن أرسطو قد وضع قوانين الشعر اليوناني بحسب مذاهب اليونانية فيه، ذلك أن "الحكيم أرسطا طاليس وإن كان قد اعتنى بالشعر بحسب المذاهب اليونانية فيه، ونبه على عظيم منفعته، وتكلم في قوانين عنه، فإن أشعار اليونانية إنما كانت أغراضا محدودة، وأوزانا مخصوصة، مدارها على خرافات يضربونها أمثالا لأمور لم تقع، أو ممكنة الوقوع، وعلى ذكر الحوادث وتصرف الأزمان بالدول، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم فيها كبير تصرف، كتشبيه الأشياء بالأشياء" .
لقد شعر حازم بأن القوانين التي استخلصها أرسطو من الشعر اليوناني لا تستوعب الشعر العربي، ولا تستطيع ضبط الخصوصية التي تميز هذه الشعرية، ومن ثم رأى أنه في حاجة لزيادة قوانين شعرية جديدة، مفيدا في ذلك من نصوص الشعر العربي، والمنجزات النقدية التي راكمها النقاد العرب السابقون، إذ "لو وجد هذا الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال والاستدلالات، واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظا ومعنى، وتبحرهم في أصناف المعاني، وحسن تصرفهم في وضع الألفاظ بإزائها، وفي إحكام مبانيها واقتراناتها، ولطف التفاتاتهم وتتميماتهم واستطراداتهم وحسن مآخذهم، ومنازعهم وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاؤوا، لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية" .
وتدل كثرة الجمل بين لو وجوابها على كثرة المطلوب، وضخامة المهمة التي نذر لها حازم كتابه، الذي اعتبر "تكميلا لعمل الحكماء الذين تناولوا موضوع "الشعرية": وذلك من حيث نظره في الكليات في ضوء متن إضافي غني، وتخصيصا له من حيث توجيه القوانين البلاغية نحو ضبط الخصوصية الشعرية، لشعر أمة معينة، أي الشعر العربي" .
وعلى الرغم من كون حازم يستلهم شعرية أرسطو، فإنه يقوم في منهاجه بمراجعة شاملة لهذه الشعرية، حيث خضعت في ثنايا كتابه لتعديلات جذرية، يسعى من خلالها حازم إلى تطويع هذه الشعرية حتى تستجيب لطبيعة الشعر العربي. مما يدل على وعي حازم باختلاف الشعرية اليونانية عن الشعرية العربية. وانطلاقا من هذا الوعي حاول إقامة علم للبلاغة عن طريق الجمع بين الشعرية اليونانية وإنجازات النقاد العرب السابقين. وهو ما جعل نوال الإبراهيم تعتبر كتاب منهاج البلغاء، "ثمرة النضج الأخير الذي امتزجت معه الجهود العقلية والنقلية لنقد الشعر عند العرب، والجهود الخاصة بعلوم العرب التي صاغها البلاغيون واللغويون، وعلوم الأوائل التي طرحها شراح الفلسفة اليونانية ومفسروها" .
مفهوم الشعر:
لقد اعتمد حازم النص الشعري معيارا يوجه نظره البلاغي في تحديد ماهية الشعر، وحصر مقوماته الأساس، وذلك لوعيه بأن "من يريد أن يستنبط هذه الصنعة (الشعر) من صناعة أخرى لعله لا يحسنها بله هذه، وذلك غير ممكن، فإنما يستنبط الشيء من معدنه ويطلب من مظنته،" وهو ما يشي بحرص حازم على التأمل في النصوص الشعرية ،والتفاعل الحي والمباشر مع مكوناتها النوعية، من أجل إنتاج معرفة واعية بها وبالقوانين الضابطة لها، لأنه "لا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه، فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه".
إن هذا الوعي بالطبيعة الخاصة للشعر، دفع حازما لأن يجعل من النص الشعري مجالا للتأمل، مما أقدره على استخلاص مفهوم متكامل للشعر، صدر فيه عن مراعاة لطبيعة الشعر، ومعرفة دقيقة بأسرار الصنعة الشعرية.
يقول حازم في تعريف الشعر: "الشعر كلام موزون مقفى، من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها، أو متصورة بحسن هيأة تأليف الكلام، أو قوة صدقه، أو قوة شهرته،أو بمجموع ذلك. وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب، فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية، قوي انفعالها وتأثرها".
وقد تسببت المداخل المتنوعة التي اعتمدها حازم (نظرية المحاكاة الأرسطية، وتعريف قدامة، ونظرية النظم الجرجانية) في إضفاء نوع من الارتباك على تصوره للعملية الإبداعية، إذ في الوقت الذي يقرر فيه استقلال النص الشعري بنفسه بوصفه "محاكاة مستقلة بنفسها"، اعتمادا على "حسن هيأة تأليف الكلام"، إذا به يتخلى عن هذا المبدأ النقدي بعد تقريره ليطرح بديلا آخر نقيضا للأول، ممثلا في اعتماد معيار القيمة على صدق المعنى أو شهرته، والمقصود هنا: المعنى الذي يراد تحبيبه أو التنفير منه، مما يؤدي إلى التضحية باستقلال النص. وهو أمر لا يمكن فهمه إلا في ضوء الظروف التي أحاطت بتأليف المنهاج، حيث سادت تيارات ذات منزع أخلاقي معاد للشعر وهو ما يرصده جابر عصفور في سياق مقارنته بين كتاب قدامة وكتاب حازم. يقول : "لقد كان قدامة يؤلف كتابه في فترة ازدهار لم تكن قائمة في عصر حازم على مستويات عدة، وبالتالي كانت مشكلة قدامة ... هي تحديد علم يضبط خطى الازدهار ... أما حازم فكان عليه أن يواجه الإحساس العام بهوان الشعر وقلة جدواه، في مجتمع ينهار ما فيه من أصالة، ويذبل كل غصن من إنجازات الماضي."
وبالعودة إلى تعريف حازم للشعر نجده يروم تحديد الخصائص النوعية التي تميز القول الشعري عن باقي الفنون، صادرا في ذلك عن وعي عميق بأن الفنون جميعها –ومنها الشعر- تتشابه على مستوى الإبداع ومستوى التلقي، ذلك أن فنونا مثل الرسم والنحت والموسيقى، تقوم على المحاكاة مثلها في ذلك مثل الشعر، غير أن كل فن يتميز عن الآخر من خلال الأداة التي يوظفها ، أي وسائل المحاكاة، وهو ما جعل حازما يركز على الأداة التي يوظفها الشاعر، والتي تدمغ الشعر بخصائص نوعية مرتبطة بطبيعة أداته. فإذا كان الرسم يستخدم الألوان، والنحت الحجر، والموسيقى الأنغام، فإن الشعر يتميز عنها باستخدامه اللغة أداة للتعبيروالبيان. وبالرغم من اشتراك الشعر مع الخطابة في استخدام اللغة أداة، فإنه يتميز عنها بخصائص ذاتية تتمثل في استخدامه اللغة استخداما خاصا يتجاوز التبليغ إلى التأثير، مما يجعل منه فنا متميزا على مستوى التشكيل والتأثير.
لعل ما يلفت نظرنا في هذا التحديد الذي يقدمه حازم للشعر هو مزجه بين المنحى الخطابي والمنحى الشعري، إذ بالرغم من عناية حازم –في تحديده الشعر- بالمقومات الدلالية و اللفظية والوزنية والتغريبية، التي تمثل جانب الخصوصية الشعرية في التراث النقدي العربي، فإن الغاية في النهاية هي تزيين الشيء أو تقبيحه من أجل الإقبال عليه أو النفور منه، وهذا المسعى هو مسعى خطابي، مما يسمح لنا بالقول: إن تصور حازم للنص الشعري هو تصور خطابي، إذ النص الشعري –في تصور حازم- دائما يصدر أمرا لمتلقيه إما بفعل شيء أو الكف عنه، متوسلا في ذلك بالوسائل التخييلية وما يصاحبها من تأثير يضغط على حساسية المتلقي، ويدفعه إلى الاستجابة للمضمون الفكري أو الأخلاقي الذي تفرضه القصيدة.
المعنى التخييلي أو الشعري :
يعتبر حازم التخييل خصيصة جوهرية في الأقاويل الشعرية، ومقوما أساسا من مقومات هذه الصناعة، إذ به تتقوم وتعتبر. لأن مجال الشعر هو الكلام المخيل الذي تذعن له النفس، أي الكلام الذي ينفعل له المتلقي انفعالا نفسيا لا عقليا. فما هو الكلام المخيل؟.
يقول حازم نقلا عن ابن سينا: "والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط لأمور، أو تنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار، وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسيا غير فكري". ويحصل ذلك بأن "تتمثل للمتلقي من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة ينفعل لتخيلها وتصورها أو تصور شيء آخر بها، انفعالا –من غير روية- إلى جهة من الانبساط أو الانقباض."
ويستعين التخييل بمقومات لفظية ووزنية وقفوية وأسلوبية من أجل تقديم أمور لها علاقة بالأغراض الإنسانية، مما يؤثر في المتلقي ويدفعه إلى الاستجابة للمقاصد التي يضمنها الشاعر نصه، وهو ما يجعل المقومات الشعرية تتحول من مجرد مسموعات إلى وسائل تخييلية تحيل على المعاني المتصلة بالجانب الإنساني، وتخيلها إلى المتلقي الذي يتأثر بها وينفعل لها، وهو أمر لا يمكن تحقيقه باللغة العادية أو الاعتباطية الدلالية.
المقومات اللفظية والوزنية:
خلافا لأنصار المعنى الذين يعتبرون اللفظ مجرد حلية تزيينية، فإن حازما يراعي اللفظ ويعتبره مقوما شعريا، إذ التزيين اللفظي بالنسبة إليه، ليس حلية فارغة، ولكنه – في التوظيف الشعري- يوصل معنى لا يوصله المعنى المجرد والمباشر.
انطلاقا من هذا الوعي يقرر حازم أن الشاعر ينبغي أن يتجنب استخدام الألفاظ التي لا تعدو أن تكون مصطلحات علمية لا يعرفها إلا المتخصصون، لأن المعجم المتخصص يقف عائقا أمام الفهم، ومن ثم يتعطل التفاعل بين المتلقي والنص: "فأما المعاني أو العبارات المتعلقة بصنائع أهل المهن، فينبغي ألا يستعمل شيء منها لأن استخدامها في الشعر أشد قبحا من استعمال الألفاظ الساقطة المبتذلة."
لقد احتفى حازم بالتزيينات اللفظية لما تمتاز به من قدرة على إثارة انتباه المتلقي وجذبه إلى التفاعل مع المعنى الذي تعرضه، كما أكد على التزيينات الوزنية والقفوية التي تستطيع من خلال شكلها الخاص أن تؤثر وتوصل المعنى: "فالعروض الطويل تجد فيه أبدا بهاء وقوة، وتجد للبسيط بساطة وطلاوة، وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد، وللخفيف جزالة ورشاقة، وللمتقارب بساطة وسهولة، وللمديد رقة ولينا مع رشاقة، وللرمل لينا وسهولة، ولما في المديد والرمل من اللين كان أليق بالرثاء وما جرى مجراه منهما بغير ذلك من أغراض الشعر."
إن التزيينات اللفظية والوزنية والقفوية ليست مجرد "مسموعات"، ولكنها تتحول في الاستخدام الشعري إلى إحالات طبيعية على "المفهومات" : المعاني المتصلة بالأغراض الإنسانية والمدارك الجمهورية، وبذلك تنهض هذه التزيينات بوظائف إقناعية، لأنها تسمح بلفت انتباه المتلقي، وتضغط على حساسيته للتفاعل مع المعنى الذي تحمله، ومن ثم الاستجابة للمضمون المعرفي والأخلاقي الذي تفرضه القصيدة.
وبذلك يتضح أن حازما يشترط في المقومات الشعرية شرطين لتكون لائقة بالشعر، وقادرة على أداء وظيفتها كعناصر فعالة ضمن الاستراتيجية التي يؤطرها تصور حازم لبلاغة النص الشعري:
-الشرط الأول يتعلق بمادة الشعر، (معنوية ولفظية)، ويشترط فيها حازم أن تكون متصلة بالذات الإنسانية: "وكانت نفوس الخاصة والعامة قد اشتركت في الفطرة على الميل إليها أو النفور عنها."
- والثاني متعلق بصورة التعبير التي يشترط فيها التخييل.
لقد أصبح النص الشعري – في التصور البلاغي لحازم- قائما على المزج بين الاستراتيجية الشعرية والاستراتيجية الخطابية، ويمكن اعتبار ذلك المراجعة الأساس التي قدمها حازم لبلاغة أرسطو وشعريته، لقد طوعهما ليصبحا شكلا من أشكال الخطابة.
التداخل بين الخطابات :
أ- تقاطع الخطابي و الشعري على الرغم من أن البلاغة العربية لم تبلور مفهوماتها النقدية في إطار نظرية الأجناس الأدبية، حيث صبت اهتمامها على الشعر والخطابة، بينما ظلت الأجناس القولية الأخرى كالترسل والنادرة والخبر على هامش الدرس البلاغي،فإن قضية التداخل بين الخطابات ظلت موضوعا للتأمل البلاغي.
وقد تعرض حازم لهذه القضية في كتابه، حيث يميز الشعر عن الخطابة، انطلاقا من المكون المميز لهما، إذجعل التخييل قوام الشعر، والإقناع قوام الخطابة: "وينبغي أن تكون الأقاويل المقنعة الواقعة في الشعر، تابعة لأقاويل مخيلة، مؤكدة لمعانيها، مناسبة لما قصد بها من الأغراض، وأن تكون المخيلة هي العمدة، وكذلك الخطابة ينبغي أن تكون الأقاويل المخيلة فيها الواقعة فيها تابعة لأقاويل مقنعة، مناسبة لها مؤكدة لمعانيها، وأن تكون الأقاويل المقنعة هي العمدة" .
إن الفرق بين الخطابة والشعر، يرجع أساسا –فيما يرى حازم- إلى الطريقة الخاصة التي يتعامل بها كل نوع مع اللغة، ومن ثم يصبح الفرق بين الصناعتين كميا ونوعيا:فإذا كانت الخطابة –بالرغم من كونها صناعة إقناعية تصديقية- تحتاج إلى عناصر تخييلية لإيقاع التصديق، فتستعمل كثيرا من الوسائل الفنية التي تدخل في صميم الصناعة الشعرية، كالتشبيهات والاستعارات، فإنها ملزمة باستخدام قدر يسير من هذه الوسائل الخاصة بلغة الشعر ، حتى تبقى الحدود واضحة بين ما هو خطابي وما هو شعري، لأن استخدام الخطيب لقدر كبير من الاستعارات من شأنه أن يحول القول الخطابي إلى قول شعري، مما يعني أن الفرق الكمي بين الشعر والخطابة يمكنه أن يتحول إلى فرق كيفي. ولذلك ينص حازم على أنه "ينبغي ألا يستكثر في كلتا الصناعتين مما ليس أصيلا فيها كالتخييل في الخطابة، والإقناع في الشعر، بل يؤتى في كلتيهما باليسير من ذلك على سبيل الإلماع."
إن النظرية الشعرية عند حازم تقوم على المزج بين المسعى الشعري والمسعى الخطابي، إذ على الرغم من تمييزه الاستراتيجية الشعرية عن الخطابية، لقيام الأولى على التخييل والثانية على الإقناع، فإنهما يلتقيان في الغرض والمقصد، وهو "إعمال الحيلة في إلقاء الكلام من النفوس بمحل القبول لتتأثر بمقتضاه،" مما يشي بأن حازما يعتبر النص الأدبي مزيجا من الشعر والخطابة، بل "إن تصوره للأدب تصور خطابي، إذ إن النص هو في النهاية يصدر أمرا لمتلقيه بفعل شيء أو الكف عن فعله، وحينما يدفعه إلى فعل شيء بحفزه بواسطة الوسائل التخييلية فإن ذلك يكون عملا شعريا، من هنا فإن الفرق بين الشعر والخطابة لا يستند إلى التباين في الغايات بل يستند إلى التباين في الوسائل،" وهو ما جعل حازما يسوغ للشاعر "أن يخطب لكن في الأقل من كلامه، وللخطيب أن يشعر لكن في الأقل من كلامه".
ب-الشعر بين التخييل والتصديق:
اتخذ حازم من تمييزه بين الشعر والخطابة منطلقا يعالج على أساسه مجموعة من القضايا التفصيلية المتعلقة بالإبداع الشعري، لعل أهمها قضية الصدق والكذب، حيث اعتبر أن الأصل في الأقاويل الخطبية أن تكون غير صادقة، ما لم يعدل بها من الإقناع إلى التصديق، لأن الإقناع يتقوم على الظن، والظن ينافي اليقين. أما الأقاويل الشعرية فلا ينبغي النظر إليها من حيث هي صادقة أو كاذبة لأنها تتقوم بالتخييل، والتخييل لا ينافي اليقين، لأن التخييل يحاكي الشيء بما هو عليه أو بما ليس عليه، والمعتبر في الشعر – في نظر حازم- كونه كلاما مخيلا أيا كانت مقدماته من حيث الصدق والكذب، فلذلك كان "الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، وليس يعد شعرا من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب، بل من حيث هو كلام مخيل."
يبدو أن حازما ينظر للتخييل الشعري المصحوب بالتأثير في ضوء مقارنته بالتصديق البرهاني والظن الجدلي والمغالطة السوفسطائية والإقناع الخطابي، مما يعني أنه يسلم بالفرض الفلسفي الذي يجعل الشعر فرعا من فروع المنطق، بوصفه قياسا من أقيسته وإن اعتبر أدنى الأقيسة. ففي المنطق يرتب الكلام من حيث الصدق والكذب ترتيبا تنازليا، يبدأ بالقول البرهاني فالجدلي فالخطبي فالسوفسطائي لينتهي بالقول الشعري، الذي هو كاذب بالضرورة، يقول الفارابي: "إن الأقيسة الصادقة بالكل لا محالة هي البرهانية، والصادقة بالبعض على الأكثر هي الجدلية، والصادقة بالمساواة هي الخطبية، والصادقة في البعض على الأقل هي السوفسطائية، والكاذبة بالكل لا محالة هي الشعرية" .
غير أن حازما يخالف هذا التقسيم التقليدي ليقرر أن القول الصادق يمكن وقوعه في الشعر: "إن ما قام في الأقاويل القياسية على التخييل والمحاكاة هو قول شعري، سواء كانت مقدماته برهانية أو جدلية أو خطابية، يقينية أو مشتهرة أو مظنونة."
ويرجح حازم أن يكون الخطأ قد أتى إلى القائلين بكذب القياس الشعري "من حيث ظنوا أن ما وقع من الشعر مؤتلفا من المقدمات الصادقة فهو قول برهاني، وما ائتلف من المشهورات فهو قول جدلي، وما ائتلف من المظنونات المرجحة الصدق على الكذب فهو قول خطبي، ولم يعلموا أن هذه المقدمات كلها إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة كان الكلام قولا شعريا، لأن الشعر لا يعتبر فيه المادة، بل ما يقع في المادة من التخييل" .
يحيل مفهوم التخييل عند حازم على الأثر الذي يحدثه النص الشعري عند تلقيه وما يترتب عنه من سلوك، إن التخييل يحيل بشكل مباشر على عملية الإبداع من زاوية التلقي، بوصفها عملية إيهام موجهة تتقصد إحداث تأثير مقصود في المتلقي. وتتحقق فاعلية التخييل في القارئ من خلال الأقوال المحاكية والخيالية التي تتضمن محتوى شعوريا وخياليا ينفعل له المتلقي انفعالا من غير روية، مما يفرض عليه الاستجابة للمضمون الفكري أو العاطفي الذي تفرضه القصيدة.
وترتبط فاعلية التأثير التي يكفلها التخييل بالغاية التي يتقصدها المبدع من وراء العمل الأدبي، والمتمثلة فيما يسمى "التحسين" و"التقبيح"، فعن طريق التخييل يستطيع المبدع أن يضخم الجوانب السلبية في موضوع ما بغرض تقبيحه، كما يمكنه التركيز على الجوانب الإيجابية لنفس الموضوع أو غيره لإبراز إيجابياته بغرض تحسينه، وعندما ترتبط فاعلية التخييل بالتحسين أو التقبيح، فإنه يصبح متصلا بالتأثير في سوك المتلقي، إما باستمالته أو تعديل موقفه أو تغييره، وهي غاية لا تتحقق إلا إذا لجأ الشاعر إلى ربط الموضوع الأصلي (موضوع المحاكاة) بموضوعات أخرى أكثر قبحا أو حسنا، عن طريق رصد علاقات المماثلة بين الموضوعين، فيقبل المتلقي على أمر أو ينفر منه انطلاقا من عملية "قياس" غير واع تعتمد أساسا مبدأ المماثلة. مع التنبيه هنا إلى أن المماثلة لا تعني التطابق بين الموضوعين، لأن محاكاة الشيء بنفسه لا قيمة لها، ولا ينتج عنها التأثير المرجو. إن المماثلة هنا تعني اشتراك موضوعين في صفة أو أكثر مما يسمح بنقل صفة الحسن أو القبح من موضوع لآخر، بطريقة تصبح معها عملية القياس بديهية وناجعة، و هو ما يجعل الشعر قياسا تشكل المخيلات مادته الأساس، و هذه المخيلات لا ينظر إليها من حيث الصدق والكذب وإنما المعتبر فيها قدرتها على التخييل، أي قدرتها على الإيهام ومن ثم التأثير.
إن الشعر يتكون من مقدمات –كما يقول ابن سينا- "تبسط الطبع نحو أمر وتقبضه عنه، مع العلم بأنها كاذبة،" فعندما نريد أن نجعل إنسانا ينفر من شيء ليس منفرا في الواقع فإننا نعمد إلى تشبيهه بشيء كريه ينفر منه الطبع، ويترتب عن ذلك أن ينفر القارئ من شيء ليس منفرا في الحقيقة، مما يعني أن الشعر يعتمد على رصد علاقة المماثلة بين الموضوعات لتحقيق مقاصده عن طريق "القياس الشعري".
ويمتاز القياس الشعري عن غيره من الأقيسة في الصناعات الأخرى، باستعماله مقدمات تخييلية كاذبة، أو بتعبير أدق "موهمة الكذب"، لأن المعول في الشعر أن يحقق التأثير المصاحب للتخييل، ومن ثم لا ينبغي النظر إلى الشعر –في رأي حازم- من حيث هو صدق أو كذب ، لأن المعتبر في الشعر نجاحه في تحقيق مقاصده من خلال خصائصه النوعية المائزة له بوصفه تخييلا للموجودات، وليس عرضا منطقيا لحقائق الوجود، أو نقلا حرفيا لها، وبهذا يتميز الشعر عن العلم والفلسفة اللذين ينطلقان من مقدمات برهانية صادقة تستلزم نتائج صادقة بالضرورة، مما يسمح بتشكيل كليات عقلية مجردة ومطلقة لحقائق الواقع والتجارب الفعلية.
وعلى هذا الأساس اعتبر الشعر غير قادر على تحقيق الإقناع وإيقاع التصديق، لأن الغاية من الصناعة الشعرية تحقيق التخييل وليس التصديق، ذلك هو الأساس الذي يقيم عليه الفارابي تمييزه بين جودة التخييل وجودة الإقناع، يقول: "جودة التخييل هي غير جودة الإقناع، والفرق بينهما أن جودة الإقناع يقصد بها أن يفعل السامع الشيء بعد التصديق، وجودة التخييل يقصد بها أن تنهض نفس السامع إلى طلب الشيء المخيل أوالهرب منه و النزاع إليه أوالكراهة له، وإن لم يقع تصديق، كما يعاف الإنسان الشيء الذي إذا رآه يشبه ما سبيله أن يعاف على الحقيقة، وإن تيقن الذي يراه أنه ليس هو ذلك الشيء الذي يعاف." وقد ترتب عن هذه النظرة أن أصبح الشعر رديفا للكذب، لأنه وإن عد قياسا شأنه في ذلك شأن البرهان، فإنه يعد برهانا كاذبا لا محالة.
غير أنه وبالرغم من قيام التخييل الشعري على مقدمات كاذبة، فإنه يتفوق على التصديق البرهاني في تحقيق التأثير، لأن الصدق وحده ليس كافيا لإحداث التأثير المطلوب، "فقد يصدق بقول ولا ينفعل عنه" ،كما يقول ابن سينا :"فإن قيل مرة أخرى وعلى هيئة أخرى، انفعلت النفس طاعة للتخييل لا للتصديق."
ولذلك فأكثر الناس يتأثرون للتخييل ولا يتحركون للتصديق، فإذا حرف القول الصادق عن العادة بإعمال المحاكاة فيه ليفيد تخييلا ،تحركت النفس له ، واستأنست به، إذ للمحاكاة –فيما يقول ابن سينا- : "شيء من التعجيب ليس للصدق، لأن الصدق المشهور كالمفروغ منه ولا طراءة له، والصدق المجهول غير ملتفت إليه، والقول الصادق إذا حرف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس، فربما أفاد التصديق والتخييل معا، وربما شغل التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به."
لا يكتفي حازم في دفاعه عن الشعر، بمقرراته عن إمكانية وقوع الأقاويل الصادقة فيه، وإنما يذهب أكثر من ذلك، حين يقرر أن الأصل في الأقاويل الشعرية هو الصدق، والشاعر لا يعدل عن الصدق إلى الكذب إلا لضرورة: "وإنما يرجع الشاعر إلى القول الكاذب حيث يعوزه الصادق والمشتهر بالنسبة إلى مقصده في الشعر، فقد يريد تقبيح حسن، وتحسين قبيح، فلا يجد القول الصادق في هذا ولا المشتهر، فيضطر حينئذ إلى استعمال الأقاويل الكاذبة."
إن التداخل بين الخطابات من أعقد القضايا التي واجهت الفكر النقدي، إذ لازالت قضية اختلاط الشعر بالخطابة، وضرورة التمييز بين هذين النوعين من فنون القول، مطروحة حتى الآن، وتشكل تحديا نقديا جديرا بالفحص والمدارسة. ومن الذين اهتموا بالتمييز بين التواصل الشعري والتواصل الخطابي، هنريش بليث، في مقاله المطول "البلاغة والأسلوبية"، يقول: "الواقع أن النص الشعري يحتوي أيضا على عناصر إقناعية، وعناصر حمالة للأخبار، كما أن النص الإقناعي يحتوي عناصر شعرية وعناصر إخبارية، وإذا وقعت انزلاقات في تراتبية الوظائف النصية، تبعا لتغيير في نمط التلقي، فقد ينتج عن ذلك شعرنة نص أو ضياع شاعريته، وينبغي ترتيب الصور اللسانية حسب الهيمنة الوظيفية، وبذلك ستنتمي حينا إلى تصور أسلوبي شعري، وحينا إلى تصور خطبي، وحينا إلى تصور يومي."
لقد وصم الشعر العربي في بداية القرن العشرين بالخطابية والتقريرية، من طرف دعاة التجديد، وارتفعت بعض الأصوات داعية إلى تمييز الشعري عن الخطابي، وحظي شعر الحكمة بالنصيب الأوفر من الهجوم حيث عد صياغة تقريرية جامدة، يتصنع حكما منظومة مفروضة على التجربة الشعرية. وقد انفرد حازم برأي متميز، يدل على عمق التفكير وأصالته، عندما قرر أن "الإقناع أصيل في الخطابة، دخيل في الشعر، ولكنه سائغ فيه إذا كانت العبارة عنه بكلام مخيل،" فالأقاويل التي بهذه الصفة –في رأي حازم- خطابية بما يكون فيها من إقناع، وشعرية لكونها ملتبسة بالمحاكاة والخيالات، ومن هنا كانت الطريقة المحمودة عنده هي المراوحة بين المعاني الشعرية والخطابية "فإن ذلك يحسن لاعتضاد إحداهما بالأخرى" ، تلك هي طريقة المتنبي الذي يعجب حازم كثيرا بعبقريته، إذ كان "يحسن وضع البيت الإقناعي من الأبيات المخيلة، لأنه كان يصدر الفصول بالأبيات المخيلة، ثم يختمها ببيت إقناعي يعضد به ما قدم من التخييل، ويجم النفوس لاستقبال الأبيات المخيلة في الفصل التالي، فكان لكلامه أحسن موقع من النفوس بذلك."
وبهذا الإجراء تبقى الحدود واضحة بين ما هو خطابي وما هو شعري، لأن المبدع إذا جعل "عامة الأقاويل الشعرية خطابية، وعامة الأقاويل الخطابية شعرية، كان قد أخرج كلتا الصناعتين من طريقها، وعدل بها عن سواء مذهبها ووجب رد قوله."
لقد عالج حازم قضية التداخل بين الخطابي والشعري، بوعي نقدي عميق، حيث حسم الخلاف نظريا –على الأقل- حينما أخرج قضية الصدق والكذب من دائرة اهتمام "الشعرية"، التي ينبغي –من وجهة نظره- أن تركز على أهمية التخييل. وبدل أن يسأل النقاد هل هذا صدق أم كذب، كان الأجدر بهم التساؤل عن طبيعة التأثير الذي يحققه التخييل.يقول تودوروف "ليس الأدب كلاما يمكن أو يجب أن يكون خاطئا بخلاف كلام العلوم، إنه الكلام الذي يستعصي على امتحان الصدق، لا هو بالحق ولا بالباطل، ولا معنى لطرح هذا السؤال، فذلك ما يحدد منزلته أساسا من حيث هو "تخييل."
د/ الغرض الشعري :
لقد اعتمد حازم الغرض الشعري معيارا تداوليا يوجه قراءته للنص الشعري، بالنظر إلى علاقته بمتلقيه. ويدل الغرض على الهدف والقصد، ولذلك كان الغرض الذي يتوجه به الشاعر إلى متلقيه يتضمن بالضرورة قصدا، لأن اختيار الشاعر للغرض متوقف على المقاصد التي يطمح إلى تبليغها.غير أنه ينبغي التمييز في القصد بين نوعين:
أ- قصد داخلي : حيث لا يتوجه الشاعر إلى تحقيق مقاصد نفعية، أي أن الشعر يكون غرضا في ذاته، فعندما يتوقف الشاعر ليصف راحلته فإن الراحلة في هذه الحالة لا تعدو أن تكون موضوعا جماليا يتفنن الشاعر في إبداعه، دون السعي إلى تحقيق مكاسب من وراء ذلك. إن القصد هنا قصد فني.
ب- قصد خارجي :يتحقق حين يتوجه الشاعر إلى متلق مباشر، ففي هذه الحالة يكون الغرض هو المقصد الذي يطمح الشاعر إلى تحقيقه من خلال التوجه إلى متلق محدد بغرض إرضائه أو استمالته أو نيل عطائه.
وقد اتخذ حازم من الغرض معيارا موجها في قراءة النص الشعري، يظهر ذلك جليا في تحليله للقسم الأول من كافورية المتنبي: "أغالب فيك الشوق". وهو أمر لا يمكن فهمه إلا إذا استحضرنا مبدأ "نفعية الخطاب" الذي عالج على أساسه حازم أغراض الشعر وأقسامها، حيث تناول الغرض انطلاقا من تصوره لمفهوم الشعر الذي هو تخييل يتقصد التأثير، وعلى هذا الأساس رفض تقسيمات البلاغيين السابقين لأغراض الشعر، لأنها –من وجهة نظره- "غير صحيحة" ، ومن ثم أخذ على عاتقه تقديم "القسمة الصحيحة" اعتمادا على ما يثيره الشعر من انفعالات نفسية في متلقيه، لأن "مقصد الشعر هو استجلاب المنافع، واستدفاع المضار، ببسط النفوس إلى ما يراد من ذلك، وقبضها عما يراد بما يخيل لها من خير أو شر."
مما يدل على أن معالجة حازم لأغراض الشعر، يتحكم فيها مبدأ "نفعية الخطاب"، لأن اختيار الغرض وصياغته متوقف على مدى القبول الذي يمكن أن يجده لدى المتلقي.واستنادا إلى هذا المبدإ، قدم حازم معالجته التفصيلية لأغراض الشعر وأقسامها، فجعل الأغراض المعبرة عن حالات نفسية عامة في الأعلى وهي: الارتياح والاكتراث وما يتركب منها، وهي الطرق الشاجية (يسمي حازم هذه الأغراض أجناسا)، وتحتها الأغراض المعبرة عن حالات نفسية فرعية، وهي الاستغراب والاعتبار والرضى والغضب والنزاع والنزوع والخوف والرجاء (يسميها أنواعا)، وتحت هذه الأنواع تأتي الأغراض الفنية المعروفة: المدح والنسيب والرثاء والهجاء.
إن معالجة حازم للأغراض تتسم بنفعية واضحة، فالأغراض في تقسيم حازم –كما يلحظ ذلك رشيد يحياوي- "لا تشتق من بعضها أو من صيغ لغوية، أو من أخلاق وممارسات ولكن من حالات نفسية" ، فالغرض يرتبط بالانفعالات النفسية التي يريد الشاعر نقلها للمتلقي من بسط وقبض، وفرح وشجو.
وانسجاما مع المهمة التي ينيطها حازم بالشعر، فإنه يربط الغرض بالوزن، إذ مادامت المقاصد التي يصدر عنها الشاعر في صياغة الأغراض تتنوع ما بين مقاصد الجد والرصانة والتحقير والصغار، ومقاصد الهزل والشجو والاكتئاب، وكانت الأوزان تتنوع من حيث خصائصها الصوتية والدلالية، فمن الضروري أن يختار الشاعر التراكيب الوزنية التي تلائم الغرض، ليترتب عن ذلك إيقاع جاد رصين أو خفيف مطرب. يقول حازم واصفا الاقتران بين الوزن والغرض: "ولما كانت أغراض الشعر شتى، وكان منها ما يقصد به الجد والرصانة، وما يقصد به الصغار والتحقير، وجب أن تحاكى تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان ويخيلها للنفوس" .
إن تشديد حازم على إيحاءات الأوزان وضرورة مناسبتها للأغراض، يساعد على تحقيق التأثير المطلوب، لأنه يتيح إمكانية ربط كل غرض بالوزن الأقدر على تخييله للمتلقي، ومن ثم التأثير فيه وتحريكه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق